عين القضاة
مقدمة المصحح 34
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
خطاب لغيره واثبات أنيّة بينه وبين ربه وهذا اثبات أمور ثلاثة ، ولذلك يقول : « فارفع بحقك أنّيى من البين ، طلبا من غيره أن يرفع الأنّية وهو طلب الفناء . والفناء ثلاثة أقسام : فناء عن وجود السوى وفناء عن شهود السوى وفناء عن عبادة السوى . فالأول هو فناء أهل الوحدة الملاحدة كما فسروا به كلام الحلاج وهو ان يجعل الوجود كله وجودا واحدا . واما الثاني وهو الفناء عن شهود السوى فهذا هو الذي يعرض لكثير من السالكين كما يحكى عن أبي يزيد وأمثاله ، وهو مقام الاصطلام وهو ان يغيب بموجوده عن وجوده وبمعبوده عن عبادته وبمشهوده عن شهادته وبمذكوره عن ذكره فيفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل . وهكذا كما يحكى ان رجلا كان يحب آخر فالقى نفسه في الماء فالقى المحب نفسه خلفه فقال : أنا وقعت فلم وقعت أنت ؟ فقال : غبت بك عنى فظننت انك انى . فهذا حال من عجز عن شئ من المخلوقات إذا شهد قلبه وجود الخالق ، وهو امر يعرض لطائفة من السالكين . ومن الناس من يجعل هذا من السلوك ومنهم من يجعله غاية السلوك حتى يجعلوا الغاية هو الفناء في توحيد الربوبية فلا يفرقون بين المأمور والمحظور والمحبوب والمكروه وهذا غلط عظيم غلطوا فيه بشهود القدر واحكام الربوبية عن شهود الشرع والامر والنهى وعبادة اللّه وحده وطاعة رسوله . فمن طلب رفع أنيّته بهذا الاعتبار لم يكن محمودا على هذا ولكن قد يكون معذورا . واما النوع الثالث وهو الفناء عن عبادة السوى فهذا حال النبيين وأتباعهم وهو ان يفنى بعبادة اللّه عن عبادة ما سواه وبحبه عن حب ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل عما سواه . فهذا تحقيق توحيد اللّه وحده لا شريك له ، وهو الحنفية ملة إبراهيم . . . ( حيث ) يفنى ( السالك ) عن اتباع هواه بطاعة اللّه